الشعر يتحدى الاستنساخ أمام طوفان الذكاء الاصطناعي – حوار مع شاعرة
الشعر لا يُهزم أمام الذكاء الاصطناعي، لكنه يُختبر. في هذا الحوار، ترى الشاعرة سوزان إبراهيم أن الفرق الجوهري لا يكمن في جمال النص بل في مصدره: التجربة الإنسانية. فالآلة قادرة على تقليد الإيقاع والمشاعر، لكنها لا تعيشها، بينما يظل الشعر «أثر تجربة» لا يمكن استنساخه بالكامل.
تؤكد أن الخطر الحقيقي ليس في كتابة الذكاء الاصطناعي للقصائد، بل في تراجع حساسية الإنسان تجاه ما هو صادق وغير مصقول. فالنصوص المتقنة قد تخدع، لكن ما يمنح الشعر قيمته هو الدافع الإنساني خلفه: محاولة الفهم، النجاة، أو التعبير عن قلق وجودي.
القلق كان وراء السعي إلى إجابات عن أسئلة يلج عالمنا الحالي بها، وكان هذا وراء البحث في رد من يثق ويرى عالماً آخر دون ضجيج الأخبار والذهول أمام زحف التقنية ووليدها الجديد، وهكذا كان حوار مع شاعرة أرسلت لها تلك الأسئلة بالبريد الإلكتروني وهاكم الرد ويظهر فيه أن الشعر لا يصد الضربات المباشرة لكنه يزودنا بمناعة ضد تقبل القسوة ويعيد للمستلبين إنسانيتهم إن أرادوا.
هل يصمد الشعر حصناً منيعاً في وجه طوفان بلاستيكي من الذكاء الاصطناعي!
الشاعرة سوزان ابراهيم: نعم، أظن أن الشعر سيصمد لأنه ينتمي إلى منطقة مختلفة تماماً. الشعر ليس مجرد ترتيب جميل للمفردات، لو كان كذلك لهزمته الآلة بسهولة. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج نصوصاً براقة، وأن يقلّد الإيقاع والحزن والاستعارة أحياناً بشكل مدهش، لكنه لا يعرف لماذا يحتاج الإنسان إلى القصيدة أصلاً.
بالنسبة لي، الشعر ليس منتجاً لغوياً فقط، بل ما هو أعمق: إنه “أثر التجربة”، الندبة المتروكة على الروح وهي لا تُحاكى من الخارج. يمكن توليد ألف صورة عن الألم، لكن هذا لا يعني القدرة على العبور فيه فعلاً. الخطر الحقيقي ليس أن تكتب الآلة شعراً، بل أن نفقد حساسيتنا كبشر تجاه ما هو حقيقي حتى وإن كان ناقصاً أو مرتبكاً. الشعر الذي يعيش على الزخرفة وحدها قد يخشى الذكاء الاصطناعي، لأنه يشبهه قليلاً في اعتماده على البراعة الشكلية، أما الشعر الخارج من ضرورة داخلية، من سؤال أو خوف أو قلق وجودي، أو من محاولة لفهم العالم، فأعتقد أنه سيبقى. قد يضيع وسط هذا الضجيج الهائل، وقد يُقلَّد كثيراً، لكنه لا يختفي تماماً. لا يمكن النظر إلى الشعر على أنه حصن مغلق، فهو كائن حيّ، ولهذا سيكون عرضة للتهديد دائماً، لكنه أيضاً قابل للبقاء. ما دام هناك إنسان يشعر أن اللغة ملجأ، سيجد الشعر طريقه.
يحاكي ألوان الفيديو الحي وملامح الوجوه بإتقان ويستعير أعذب الكلمات شعراً وينتقي أجملها نثراً، فهل تخافين منه، أقصد الذكاء الاصطناعي؟
-لا، ليس بالمعنى المباشر، وكأنني أمام خصم يريد أن يأخذ مكان الإنسان أو مكان الكاتب، لكن قد أخاف شيئاً آخر: أن يصبح التقليد متقَناً إلى درجة تجعلنا نتوقف عن الانتباه إلى الفرق. الذكاء الاصطناعي بارع في إعادة تركيب الجمال. يمكنه أن ينتج نصوصاً تبدو حساسة ومؤثرة، وأن يقلّد نبرة الحزن أو التأمل بشكل مقنع أحياناً، لكن ما زلت أشعر أن هناك ما لا يمكن محاكاته بالكامل، وأعني التجربة نفسها. الألم ليس فكرة، بل شيئاً يُعاش فعلاً ويترك أثره داخل الإنسان. ما يخيفني أكثر ليس أن تصبح الآلة قادرة على كتابة قصيدة جميلة، بل أن نصبح نحن أقل حساسية تجاه ما هو حقيقي. أن نعتاد النصوص المصقولة فننسى قيمة التردد، أو ذلك العطب الإنساني الصغير الذي يمنح اللغة صدقها. الأخطاء أو العيوب هي ما يميّزنا بشكل أو بآخر.
قد يكتب الذكاء الاصطناعي نصوصاً مدهشة، بل أفضل من كثير من البشر أيضاً، لكن الفرق بالنسبة لي يبقى في الدافع. الإنسان لا يكتب دائماً لأنه يريد إنتاج نص جيد، بل لأنه يحاول فهم نفسه، أو النجاة من شيء ما. بكلمات أخرى: لا أخاف أن يكتب الذكاء الاصطناعي شعراً، بقدر ما أخاف أن نفقد قدرتنا على التمييز بين ما كُتب بمهارة، وما خرج من حاجة إنسانية حقيقية. الخوف الحقيقي هو أن نكتشف أننا قابلون للاستنساخ أكثر مما كنا نعتقد.
هل ترين الشعر أشبه بالمسرحية التي لا يمكن تذوقها ولا تتجسد إلا حضوراً؟ هل تشعرين بضغوط للتفوق على منافس وهمي آلي متسلحة بأشياء أخرى مثل بوصلة أو الوضوح، الأخلاقي والإنساني ومشاعر متجذرة بالحياة الحقيقية؟
*أفهم تشبيه الشعر بالمسرح، لأن القصيدة لا تعيش دائماً بالطريقة نفسها على الورق. حين تُلقى القصيدة بصوت صاحبها، يحدث شيء إضافي لا يتعلق بالمعنى وحده، بل بالحضور أيضاً. قد تكشف نبرةٌ مترددةٌ أو صمتٌ قصيرٌ شيئاً لا تقوله الكلمات نفسها. بعض القصائد تستعيد جسدها الحقيقي أثناء الإلقاء. في الوقت نفسه، لا أعتقد أن الشعر يحتاج دائماً إلى المسرح كي يكتمل. هناك قصائد تتفتح مكنوناتها بهدوء كامل في المسافة بين النص والقارئ، في لحظة عزلة، وتكون مؤثرة بالقدر نفسه. أحياناً يقرأ أحدنا قصيدةً فيشعر أنها تعرف عنه شيئاً لم يقله لأحد، وهذا نوع آخر من الحضور لا يقل قوة عن الإلقاء.
أما فكرة التفوق على منافس آلي، فلا أفكر فيها كمنافَسة مباشرة. الذكاء الاصطناعي يفرض وجوده بالتأكيد، وربما يجعل السؤال عن معنى الكتابة أكثر إلحاحاً اليوم، لكني لا أتعامل معه كخصم شخصي. ما يشغلني أكثر هو كيف نحافظ على الصدق وسط هذا الكم الهائل من النصوص السريعة والمصقولة. في عالم يستطيع إنتاج جُملٍ بلا نهاية، تصبح المسؤولية الأصعب هي أن نكتب شيئاً نابعاً من حياة فعلية تقف خلفه، شيئاً مرّ عبر تجربةٍ أو شكٍّ أو خسارة، لهذا أتشبث أكثر بالجانب الإنساني والأخلاقي في الكتابة، ليس كشعار، بل لأنه ما يمنح الكلمات وزنها. بالنسبة لي الشعر ليس مهارة لغوية فقط، إنه طريقتي لاحتمال الحياة قليلاً، ومحاولة لإعطاء هشاشتنا شكلاً يمكن التعايش معه.
كيف يمكن لإلقاء الشعر أن يحميه من كلمات اصطناعية منمقة، وهل هذا ممكن أصلا وهل يكسبه قيمة أكبر من الكلمة المقروءة؟
* الإلقاء لا يحمي الشعر تماماً من اللغة الاصطناعية، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً حتى على تقليد النبرة والانفعال والإيقاع بدرجة مدهشة أحياناً. أي أن الصوت وحده لا يكفي لنقول إن ما نسمعه حقيقي. ثمة فرق يصعب تفسيره بالكامل. حين يُلقي الشاعر قصيدته، لا ينقل الكلمات فقط، بل ينقل شيئاً من طريقته في عيشها أيضاً. يظهر هذا أحياناً في تردد بسيط، أو في صمت غير محسوب، أو في نفَسٍ يختلُّ عند جملة معينة. هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو نواقص، لكنها غالباً ما تجعل الأداء إنسانياً.
لا أعتقد أن الإلقاء يمنح القصيدة قيمة أعلى من القراءة. إنه فقط يمنحها حياة مختلفة. النص المقروء يعيش داخل خيال القارئ وبصوته الداخلي، بينما الإلقاء يخلق حضوراً مشتركاً بين الشاعر والمتلقي. هناك قصائد تحتاج المسرح والصوت، وأخرى تبدو أكثر صدقاً على الصفحة، في العزلة والصمت. ما سينقذ الشعر ليس الإلقاء وحده، بل الصدق الذي يسبقه. الشعر لا يعيش لأنه يُقرأ بصوت بشري فقط، بل لأنه يحمل أثراً إنسانياً يصعب اختصاره إلى مجرد براعة لغوية.
وهل يتساوى الإلقاء مع تلاوة الأبيات بأكثر من لغة من ذات الشاعرة أو الشاعر؟
* المسألة لا تتعلق بالمساواة، كما أظن، بقدر ما تتعلق بما يتغير داخل القصيدة حين تعبر إلى لغة أخرى. حين يقرأ الشاعر نصّهُ بلغته الأولى، يكون الصوت محمّلاً بما هو أقدم من الكلمات نفسها: ذاكرة، طفولة، إيقاعٌ تشكّلَ مع الحياة اليومية وطريقة الشعور. في اللغة الثانية، يحدث شيء مختلف. قد يبقى المعنى، لكن الإحساس لا ينتقل دائماً بنفس الطريقة. هناك كلمات مرتبطة بموسيقاها الأصلية، وصور تفقد شيئاً من ظلها بعد الترجمة، حتى لو بقيت الفكرة حاضرة.
ومع ذلك، الترجمة ليست خسارة بطريقة ما أو خيانة كما يقال، أحياناً يكتشف الشاعر، وهو يقرأ نصه بلغة أخرى، معنىً لم ينتبه إليه من قبل. كأنه يرى القصيدة من زاوية مختلفة. بعض النصوص قد تُولَد مرتين: مرةً في لغتها الأولى، ومرةً في اللغة التي تعبر إليها. الإنسان لا يعيش كلّ اللغات من المكان النفسي نفسه. هناك لغة نحلم بها، وأخرى نفكر بها، وأحياناً لغة تمنحنا مسافة آمنة من مشاعرنا. لهذا قد تبدو القصيدة أكثر عرياً في لغة، وأكثر تحفظاً أو عقلانية في لغة أخرى.
في النهاية، لا أرى أن تلاوة القصيدة بأكثر من لغة تضيف لها قيمة تلقائية أو تنتقص منها. السؤال الأهم بالنسبة لي هو: هل بقي النص حيّاً بعد انتقاله؟ هل ما زال يحمل ذلك الارتجاف الإنساني نفسه، أم تحوّل فقط إلى معنى صحيح؟
وهل ترين أنك أصبحت تتحدثين بأكثر من لغة بدون تفكير بالكلمات؟ كيف تخاطرين خارج القيود والمألوف عند التعاطي أو معالجة أفكار الحزن والصدمة والعبث؟ متى كتبت لأول مرة وماذا كانت تلك الكلمات، نثراً أم شعر؟
*حين يعيش الإنسان طويلاً بين لغتين أو أكثر، قد يصل أحياناً مرحلة لا يترجم فيها نفسه بالكلمات، بل يشعر مباشرة داخل اللغة. في البداية يكون الأمر متعباً قليلاً، كأنك ترتدي صوتاً ليس لك تماماً، لكن مع الوقت تصبح لكل لغة منطقة شعورية مختلفة. هناك لغة أشعر فيها أنني أكثر عقلانية، وأخرى أكثر قرباً من هشاشتي، وربما لغة أختبئ خلفها قليلاً لأنها تمنحني مسافة عن نفسي. أحياناً أقول اعترافات صعبة بلغة ثانية بسهولة لم أكن أمتلكها بلغتي الأولى، وفي المقابل هناك مشاعر لا أثق بها تماماً إلا حين تُقال باللغة التي خرجتْ منها طفولتي.
فيما يتعلق بالحزن أو الصدمة أو العبث، الحقيقة أنني لا أفكر فيها كمواضيع للكتابة بقدر ما أراها مناطق حساسة جداً داخل الإنسان. الكتابة عنها ليست استعراضاً للقوة، بل محاولة للاقتراب من شيء مؤلم دون خيانته بالمبالغة أو الزخرفة. أحاول تركَ مساحةٍ صامتةٍ داخل النص، شيئاً غير مفسَّر بالكامل، لأن الكتابة التي تشرح كثيراً تفقد جزءاً من حقيقتها.
بالنسبة للبداية الأولى، لا أذكر الكلمات نفسها، لكنني أذكر الإحساس. كان الأمر أشبه بمحاولة لفهم شيء لا أعرف كيف أقوله بصوت عالٍ. لم أفكر وقتها إن كان ما أكتبه شعراً أو نثراً. البدايات لا تعرف هذه التصنيفات أصلاً. أظن أن النصوص الأولى، رغم بساطتها، تكون صادقة بطريقة يصعب استعادتها لاحقاً. نكتب في البداية بحريّةٍ أكبر، قبل أن نتعلم كيف يجب أن تبدو الكتابة، وقبل تخلّقِ ذلك الصوت الداخلي الذي يراقب كل جملة.
وهل تشعرين أن النضج الفكري يصعب الأمور مقارنة مع البدايات؟ كيف يتداخل عملك بالصحافة والنثر مع الشعر؟ وهل يتقاعد أحد من هذه أو يتلاشى على حساب الآخر؟
*أعتقد أن النضج يجعل الكتابة أصعب بالفعل، حتى لو جعلها أكثر وعياً. في البدايات نكتب بدافع مباشر جداً، تقريباً بلا رقابة داخلية. لا نفكر كثيراً في شكل النص أو كيف سيُقرأ. هناك شيء غريزي وبرّي في الكتابة الأولى، لهذا تبدو بعض النصوص المبكرة أكثر حرارة رغم بساطتها. مع الوقت، لا ينضج الكاتب وحده، بل تنضج عينُه أيضاً. يصبح أكثر حساسيةً تجاه اللغة، وأكثر وعياً بما لا يستطيع قوله بسهولة، وهذا يجعل الكتابة أبطأ أحياناً، لأنك لا تكتب فقط، بل تراقب نفسك وأنت تكتب. هكذا نفتقد أحياناً شيئاً من اندفاع البدايات وتهورها الجميل.
وعن علاقتي بالصحافة والنثر والشعر، فأشعر أنها تتداخل باستمرار ولا تعيش منفصلة داخل الكاتب. علّمتني الصحافة الإصغاء للواقع والانتباه للتفاصيل اليومية، وفرضت عليّ نوعاً من الوضوح والانضباط. بينما يذهب بي الشعر غالباً إلى منطقة أكثر هشاشة وغموضاً، إنه يهتم بالأثر أكثر من المعلومة. أما النثر، فهو مساحة وسطى بينهما، فيه شيء من وضوح الصحافة، وشيء من حساسية الشعر، وأجد نفسي مرتاحة فيه أحياناً لأنه يسمح للفكرة أن تتأمل بهدوء أكبر.
لا أظن أن أحد هذه الأشكال يختفي تماماً لصالح الآخر. قد يهدأ الشعر في مرحلة، أو تطغى الصحافة حين يصبح الواقع أكثر إلحاحاً، لكن الأصوات تبقى موجودة بطريقة ما. أحياناً يتسلل الشاعر إلى المقال، وأحياناً يدخل الصحفي إلى القصيدة ليمنعها من الغرق الكامل في الغموض. بصراحة لا أرى هذه الأنواع كأنها وظائف منفصلة، بل طرق مختلفة لفهم العالم ومحاولة احتماله.
ما رأيك بالمشهد الأدبي في أوروبا والبلد الذي تقيمين فيه؟ وهل تجدين في المجتمع حولك مادة دسمة لكتاباتك نظراً لدور الجمهور في قيمة العمل ومعاصرته في التجارب المعاشة والآنية؟
*المشهد الأدبي في أوروبا اليوم، كما أراه، غنيٌّ ومفتوح على أصوات وتجارب كثيرة، وهذا من الأشياء الجميلة فيه. هناك مساحة حقيقية للاختلاف، واهتمام بالترجمة وبحضور الأدب في الحياة العامة، وهذا واضح جداً في السويد أيضاً. أشعر هنا أن الثقافة ليست ترفاً بالكامل، بل جزءاً من الحياة اليومية إلى حد ما. في المقابل، ثمة شيءٌ هادئٌ وباردٌ قليلاً في المجتمعات الشمالية، ليس بالضرورة بمعنى سلبي، بل بمعنى أن الناس أكثر تحفظاً وأقلّ ميلاً إلى البوح المباشر، وهذا ينعكس على الأدب أيضاً. كثير من النصوص تبدو هادئة على السطح، لكنها تحمل قلقاً عميقاً في الداخل.
نعم، أجد في المجتمع حولي مادة غنية للكتابة، ليس بسبب الأحداث الكبيرة فقط، بل بسبب التفاصيل الصغيرة أيضاً: نظرة عابرة في قطار، أو صمت طويل بين شخصين، يمكن أن يقول الكثير عن مجتمع كامل. فكرة الوحدة داخل مجتمعات منظمة وآمنة تثيرني كثيراً، وكذلك العلاقة المعقدة بين الحرية الفردية والحاجة إلى الانتماء. أما الجمهور، فلا أراه معياراً مطلقاً لقيمة العمل، لكنه جزء من حياة النص بالتأكيد. الكتابة لا تعيش في فراغ، حتى لو كانت شديدة الخصوصية. المهم بالنسبة لي ليس أن يلاحق النص الموضات أو القضايا الرائجة، بل أن يكون صادقاً تجاه الأسئلة التي يعيشها الناس فعلاً اليوم: الخوف، العزلة، تبدل العلاقات، القلق من المستقبل، وكل هذا الارتباك الذي نعيشه.
أعتقد أن العيش بين أكثر من لغة وثقافة يتيح للكاتب أن يرى الأشياء بطريقة مختلفة قليلاً، كأنه ينظر من الداخل والخارج في الوقت نفسه. هذه المسافة قد تكون متعبة أحياناً، لكنها تمنح الكتابة نوعاً من الرؤية أيضاً.
يزعم بعضهم أن الذكاء يكمن في القدرة على التأقلم وتقبّل الواقع-هكذا قال لنا أحدهم في مؤسسة لتطويع النفس وكسرها، هل تلاشت آمال التقدم الإنساني لتحسين حالة ومستقبل البشر، كيف يتعايش الشعر مع أزماتنا المعاصرة؟
*أكثر ما يقلقني في فكرة “التأقلم” هو أن تتحول إلى مطالبةِ الإنسان دائماً بأن يحتمل كل شيء بصمت. نعم، نحتاج القدرة على التكيّف كي ننجو، لكنْ، ثمة فرق كبير بين النجاة وبين أن ندرّب أنفسنا على قبول ما هو قاسٍ أو غير إنساني وكأنه أمر طبيعي.
أحياناً أشعر أن العالم يضغط على الإنسان كي يصبح أكثر قدرة على التحمّل، لا أكثر قدرة على الشعور. هذا مرهق جداً على المستوى الداخلي. لم يختفِ الأمل تماماً لكنه يبدو حائراً ومرتبكاً أحياناً في عصرنا، لأننا نعيش وسط عواصف من العنف والضجيج والخوف، ما قد يدفع الإنسان ليفقد إحساسه تدريجياً بما يحدث حوله. ومع ذلك، لا أعتقد أن الرغبة في المعنى اختفت، فما زال هناك شيء يقاوم داخل البشر، حتى لو كان هشاً: الحاجة إلى الحب، إلى العدالة، إلى أن يشعر الإنسان أن حياته ليست مجرد وظيفة أو رقم أو محاولة مستمرة للنجاة.
الشعر ليس قادراً على حل الأزمات أو تغيير العالم مباشرة، لكنه يفعل شيئاً آخر بالنسبة لي: يذكّر الإنسان بأنه ما زال يملك حياة داخلية. في الأزمنة القاسية، يصبح هذا مهماً جداً. الشعر لا يمنع الحروب، لكنه قد يمنعنا من الاعتياد على القسوة. يمنحنا لحظة نتذكر فيها أن الإنسان ليس كائناً وظيفياً فقط، وأن الحساسية ليست ضعفاً دائماً. هكذا يستمر الشعر حتى في أكثر الأزمنة عنفاً، رغم أنه لا يملك أجوبة جاهزة، لكنه يرفض أن يُختصر الإنسان في فكرة النجاة وحدها.
من هي الشاعرة سوزان ابراهيم؟
*سوزان إبراهيم شاعرة وكاتبة وصحفية ومترجمة سورية–سويدية، تنتمي إلى جيل من الكتّاب الذين تشكّلت تجاربهم بين الأدب والحرب والمنفى والتحولات الثقافية العميقة. درست الأدب الإنكليزي في جامعة البعث، وعملت في الترجمة والصحافة الثقافية، حيث ارتبط اسمها لسنوات بالمشهد الثقافي السوري عبر عملها في جريدة “الثورة” وإشرافها على صفحات أدبية وثقافية متخصصة.
عُرفت أساساً كشاعرة، حتى في كتابتها للسرد والنصوص النثرية. ففي معظم أعمالها تبقى اللغة الشعرية حاضرة بوصفها طريقة للنظر إلى العالم أكثر من كونها شكلاً أدبياً فقط. وقد قالت في أحد حواراتها إنها “تتنفس الحياة بطريقة شعرية”، وهي عبارة تختصر جانباً مهماً من علاقتها باللغة والكتابة.
أصدرت عدداً من المجموعات الشعرية والقصصية والأعمال النثرية: (المعلومات التفصيلية في مرفق السيرة الأدبية)
منذ انتقالها إلى السويد ضمن برنامج ICORN الخاص بحماية الكتّاب والفنانين، أصبحت تجربة العيش بين لغتين وثقافتين حاضرة بوضوح في كتابتها. غير أن علاقتها بالمنفى لا تظهر بوصفها حنيناً مباشراً إلى مكان مفقود، بل كتجربة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الذاكرة مع الإحساس بالاقتلاع وإعادة اكتشاف الذات.
في نصوصها لا تظهر الحرب كحدث سياسي فقط، بل كأثر نفسي ويومي طويل المدى: تغيّر العلاقة بالأمكنة، هشاشة الروابط الإنسانية، ومحاولة الاحتفاظ بما يتبقى من المعنى وسط التحولات القاسية. لهذا تميل كتابتها إلى التركيز على التفاصيل الإنسانية الصغيرة أكثر من الشعارات أو الخطابات المباشرة.
على المستوى اللغوي، تميل سوزان إبراهيم إلى الاقتصاد اللغوي والابتعاد عن الزخرفة الثقيلة. حتى في أكثر نصوصها شاعرية، تبدو اللغة هادئة وشفافة نسبياً، لكنها تحمل كثافة شعورية واضحة. كما يظهر أثر عملها الصحفي في دقتها بمراقبة التفاصيل اليومية، دون أن تفقد الحس التأملي الذي يميز كتابتها. تنتمي سوزان إبراهيم إلى ذلك النوع من الكتّاب الذين لا يفصلون تماماً بين الأدب والحياة، ولا بين التجربة الشخصية والأسئلة الإنسانية الأوسع، ربما لهذا تبدو الكتابة عندها أقرب إلى محاولة لفهم هشاشة الإنسان والعالم، لا إلى تقديم أجوبة نهائية عنهما.