هل بايعت الصحافة العالمية الذكاء الاصطناعي قلماً لا يشق له غبار؟
انضم الصحافي البريطاني فرانك كين إلى قائمة الكُتّاب المؤيدين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة بمقال مستوحى من فيلم "دكتور سترينجلوف"، بعد سنوات من انتشار مقالات مماثلة في صحف عالمية كـ "نيويورك تايمز". وكانت الصحافة المالية قد بدأت بالاعتماد مبكراً على تقنيات بدائية للذكاء الاصطناعي منذ ما قبل عام 2020 لكتابة التقارير السريعة وعناوين الأخبار دون الحاجة إلى بلاغة لغوية.
انضم الصحافي البريطاني فرانك كين الذي يعمل في الشرق الأوسط منذ عقود إلى معسكر مؤيدي الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في عالم الصحافة وخط هذا الشهر مقالة حملت ذات العنوان الذي أصبح إعلان تأييد أو مبايعة الذكاء الاصطناعي في الكتابة بعد سلسلة مقالات نشرت خلال السنوات الماضية في صحف وبأقلام كتاب كثر من نيويورك تايمز وصحف جامعية مثل هارفارد وغيرها (How I learned to stop worrying and love AI). ( وهو مستوحى من عنوان فيلم ستانلي كوبريك وهو دكتور سترينجلوف – كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة)
مع بداية دخول الذكاء الاصطناعي في عشرينيات القرن الحالي ظهرت خدمات كتابة التقارير المالية بالذكاء الاصطناعي واعتمدتها مؤسسات مالية قبل عام 2020 في الولايات المتحدة وكانت التكنولوجيا تلك بدائية تكتفي بأخذ نتائج الشركة من التقارير المالية لصياغتها على هيئة تقارير صحفية موجزة تتسم بالسرعة وتلبية أولويات المستثمرين والمحللين، بدون حاجة للبلاغة ومهارات البديع اللغوي. تلى ذلك خدمات متخصصة لصياغة عناوين الأخبار والمساعدة في إجراء عصف ذهني لاختيار أقوى العناوين على الإنترنت.
أرتبكت لدى سؤالي عن طريقة استخدامي للذكاء الاصطناعي قبل سنتين، لكن اليوم أصبحت الأمور أكثر وضوحاً بحسب خبراء كثر. فكيف يمكننا الإجابة على السؤال المؤرق ما هو أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي في الكتابة الصحفية وتأليف الكتب؟ وهل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي أصبحت بمثابة سرقة أدبية أم أنها أداة مفيدة لا غنى عنها كما هو حال أدوات التدقيق الإملائي والنحوي، أم أن الشفافية هي الحل؟
يحاجج فرانك كين في مقاله بأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة أداةٌ وليست أزمةً أخلاقية، شريطة أن يحتفظ الكاتب بالتحكم الفكري والمسؤولية. وتتلخص حججه الرئيسية بأن الذكاء الاصطناعي تطور طبيعي لأدوات الصحافة، فهو ليس تهديدًا وجوديًا، بل يُشبه التحولات التكنولوجية السابقة (مثل استبدال الآلات الكاتبة بمعالجات النصوص) أو أدوات إعداد التقارير القياسية (مثل غوغل والآلات الحاسبة، والتدقيق الإملائي، والباحثين، ومحرري النصوص).
ويضيف كين (الذي عمل في مسيرته الصحفية في التحرير والكتابة وتولى الأخبار المالية في صحف بريطانية كبرى مثل كل “صنداي تايمز“، “الغارديان“، و “الأوبزرفر” . ومؤخرا في صحف إماراتية وسعودية)، بأن القواعد التحريرية التي تُقيّد “عملية الكتابة” مُفرطة في صرامتها، وحظر الذكاء الاصطناعي كلياً في “عملية الكتابة” فيه مبالغة مجحفة بالتعميمات فلا يُميّز بين الأتمتة غير الأخلاقية والتحرير المفيد.
فالكتابة البشرية تُعرَّف بالتفكير والحكم والمسؤولية، أي أن الكتابة الحقيقية لا تتطلب أن تُكتب كل كلمة دون مساعدة. المهم هو أن يُبلور الكاتب الأفكار الأساسية، وينقل الحقائق، ويُمارس حكمه، ويتحمل المسؤولية الكاملة عن النص المنشور. ما الفرق بين أن تملي على مساعد تحرير بكلامك ليطبع ما تقوله وبرنامج يحول ما تقوله إلى نص مطبوع ويصحح لك هفواتك أو يقترح كلمات وعبارات أدق؟
يُعدّ الذكاء الاصطناعي أداةً فعّالةً للمساعدة وتحسين الكتابة، ويُبيّن كين استخداماتٍ مُجديةً للذكاء الاصطناعي، مثل التحقق من التفاصيل والمعطيات ومناقشة الحجج، وتلخيص النصوص، وتحسين بنية الجمل، والارتقاء باللغة المكتوبة، لا سيما للصحفيين غير الناطقين بها.
يبقى الإشراف البشري والتحرير الذاتي أساسيين، يجب على الكُتّاب تحرير مُخرجات الذكاء الاصطناعي بانتظام لإزالة “عاداتها” الكتابية المُتوقعة (مثل الإفراط في استخدام التراكيب الطويلة أو بنية الحجج الثلاثية)، وتجنب الهلوسة و “الأوهام” التي قد تأتي بتحايل أقرب إلى الواقعية، والتأكد من أن العمل ليس مُولّدًا بالكامل بواسطة الآلة.
بعيدا عن الصحافة
لكن واليوم اقتحم الذكاء الاصطناعي مجالات الكتابة كلها ولكن وليست الكتابة بالذكاء الاصطناعي مسار ممهد بسلاسة ، فالصحافة شيء وتأليف الكتب شيء آخر، فيما يبقى الشعر عالم آخر قائم بذاته.
ويشيد خبراء كثر باعتماد الذكاء الاصطناعي وفائدته في تخطيط فصول الكتب غير القصصية لجعلها منطقية على أن يكون بمثابة وسيلة لالتماس الأفكار واستكشاف خيارات فصول الكتاب. لم يكتب الفصل الأخير في هذا الجدل المتواصل بين الأصالة والتحديث في عصر الذكاء الاصطناعي لكن الصحافة تخضع لتحولات مذهلة سلباً أكثر منها إيجاباً.