السينما في عصر الذكاء الاصطناعي: إعادة تعريف الهوية الإنسانية للصورة
المخرجة السعودية جيجي حزيمة ترى أن الذكاء الاصطناعي في السينما يتطلب رؤية حول تأصيل الفارق الجوهري بين "التمكين التقني" و"الوعي الشعوري". وتتلخص أفكارها في الأداة مقابل التجربة، فالذكاء الاصطناعي امتداد لتاريخ تطور أدوات السينما (كالمونتاج والرقمي)، لكنه يعجز عن محاكاة الذاكرة، الحدس، والقرارات الإنسانية التي تمنح الصورة معناها ، و جماليات الخطأ والارتجال، وتكمن روح السينما في المساحات غير المتوقعة واللحظات العفوية والهوس بالكمال البصري عبر الخوارزميات يهدد "الهشاشة الإنسانية"، لاسيما في سينما المؤلف، في حين أن سينما المؤثرات الضخمة مثل أفلام السوبرهيرو) التي قد لا تتأثر كثيراً لكونها سينما حسابية بطبعها. كما أن كتابة النص التوجيهي والنية خلفه لا تكفيان وحدهما لخلق أثر وجداني؛ فالإنتاج اللانهائي والسهل للصور يهدد العلاقة الحميمة بالصورة، ويجعل من الصعب التمييز بين التجربة المعاشة والمحاكاة البصرية.
مع إصدار أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (المسؤولة عن جوائز الأوسكار) التعريف الجديد وقيود الاستخدام المقبول للذكاء الاصطناعي كـ “أداة وليس لتولي التأليف” خاصة وأنك أسست وتسرفين على صالون السينما السعودية في باريس الشهر القادم، ما رأيك بذلك وكيف ترسمين الحدود الفاصلة بين المساعدة التقنية وبين جوهر “القرار الإبداعي” الذي يحمل بصمتكِ الخاصة؟
المشكلة بالنسبة لي ليست في استخدام التكنولوجيا نفسها، فالسينما دائمًا تطورت عبر أدوات جديدة، من المونتاج إلى الكاميرا الرقمية. لكن السؤال الحقيقي هو: من يتخذ القرار الشعوري والفني خلف الصورة؟
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في بعض المراحل التقنية أو البصرية، لكنه لا يستطيع أن يعيش التجربة الإنسانية التي تولّد المعنى. ما يمنح الفيلم بصمته الخاصة ليس فقط الشكل النهائي للصورة، بل الحساسية التي تقف خلف اختيارها: لماذا هذه اللقطة؟ لماذا هذا الصمت؟ لماذا هذا الوجه؟ هذه القرارات لا تأتي من خوارزمية، بل من ذاكرة وحدس وتجربة إنسانية. بالنسبة لي، يبقى جوهر السينما مرتبطًا بالعلاقة الإنسانية مع الزمن والصورة والإنسان، وليس فقط بالقدرة على إنتاج صور مقنعة بصريًا.
أحياناً يكون الارتجال أنجح من كامل التحكم بالتفاصيل وتجسد المصادفة لفتات أقوى، هل يؤدي الإفراط باستخدام التكنولوجيا لقتل هذه الجوانب سعياً وراء الكمال والصورة المثالية على حساب الروح الطبيعية للمشهد والعمل السينمائي ككل؟
أعتقد أن من أجمل ما في السينما هو ما لا يمكن السيطرة عليه بالكامل. أحيانًا لحظة صمت غير متوقعة، أو نظرة عابرة، أو ارتجال بسيط من ممثل، يمكن أن يحمل صدقًا أكبر من مشهد مخطط له بدقة كاملة. لهذا أخشى أحيانًا من الهوس بالكمال البصري، لأن السينما ليست صورة مثالية فقط، بل أثر إنساني حي. كلما أصبحت الصورة “متحكمًا بها” بشكل كامل، قد نفقد تلك الهشاشة الجميلة التي تجعل المشهد يتنفس كشيء حقيقي. هناك فرق بين صورة مذهلة تقنيًا، وصورة تشعر أنها عاشت فعلًا. بالنسبة لي، الروح غالبًا تظهر في المساحات غير المتوقعة، لا في السيطرة المطلقة.
أعتقد أيضًا أن تأثير الذكاء الاصطناعي لن يكون متساويًا على كل أنواع السينما. هناك أفلام كثيرة اليوم قائمة أساسًا على الفورمات والصناعة الضخمة والصورة المحسوبة بالكامل، مثل جزء كبير من أفلام هوليوود وأفلام السوبرهيرو، لذلك ربما لن يبدو الفرق فيها كبيرًا. لكن في السينما التي تعتمد على الهشاشة الإنسانية والارتجال واللحظة غير المتوقعة، أشعر أن الخسارة قد تكون أعمق، لأن روح المشهد لا تولد دائمًا من الكمال، بل من الأشياء التي لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.
هل تخشين أن تفقد الصور السينمائية قيمتها الوجدانية عندما نعلم أنها نُسجت عبر خوارزميات، أم أن “النية” خلف البرومبت (Prompt) كافية لإضفاء تلك القيمة؟
لا أعتقد أن المسألة مرتبطة فقط بمعرفة أن الصورة صُنعت عبر خوارزمية، بل بما إذا كانت تحمل فعلًا تجربة إنسانية حقيقية خلفها. النية مهمة بالتأكيد، لكن النية وحدها لا تكفي دائمًا. يمكن لأي شخص أن يكتب “برومبت”، لكن ليس كل شخص قادرًا على خلق إحساس أو ذاكرة أو أثر وجداني.
ما يقلقني أحيانًا هو أن وفرة الصور قد تجعلنا نفقد علاقتنا الحميمة بالصورة نفسها. عندما تصبح الصور لا نهائية وسهلة التوليد، قد يصبح من الصعب التمييز بين ما هو مُعاش فعلًا وما هو مجرد محاكاة بصرية للإحساس. السينما بالنسبة لي ليست فقط إنتاج صور، بل بناء علاقة حسية وزمنية مع الإنسان. وهذا ما أعتقد أنه سيظل التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي.
كيف تتخيلين دور المخرج في عام 2027؟ هل سيتحول المخرج من “صانع صور” إلى “منسق رؤى” (Curator) يشرف على تدفق الاحتمالات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والانتقاء منها حسب رؤيته أو رؤيتها؟
ا
أعتقد أن دور المخرج سيتغير جزئيًا، لكن ليس بالضرورة أن يختفي جوهره. ربما سيصبح هناك جانب أكبر من “تنسيق الاحتمالات” أو إدارة تدفق الصور والأفكار التي تنتجها التكنولوجيا، لكنني لا أظن أن هذا وحده يكفي لصناعة سينما حقيقية.
المخرج بالنسبة لي ليس فقط من يختار الصور، بل من يمنحها معنى وإيقاعًا وذاكرة وشعورًا داخليًا. السينما ليست مجرد تجميع احتمالات بصرية، بل طريقة خاصة في النظر إلى العالم. وحتى لو تغيرت الأدوات، أعتقد أن الحاجة إلى الحس الإنساني والرؤية الشخصية ستصبح أكثر أهمية، لا أقل.
– ما رؤيتكِ للتعاطي مع المخاوف خاصة لدى الجيل الجديد من السينمائيين الذين يشعرون بالحيرة بين تعلم الحرف التقليدية وبين الاندماج في الموجة التقنية الجديدة؟
أفهم تمامًا هذا القلق، لأننا نعيش لحظة انتقالية سريعة جدًا. لكنني أعتقد أن تعلم الحرف التقليدية ما يزال مهمًا، ليس بدافع الحنين، بل لأنها تعلّم الإنسان كيف يرى ويصغي ويشعر بالإيقاع والزمن والعلاقة مع الممثل والصورة. يمكن للتكنولوجيا أن تساعد، لكن لا ينبغي أن تختصر الرحلة الإنسانية والفنية نفسها. ما أخشاه أحيانًا هو أن يندفع الجيل الجديد نحو الأدوات قبل أن يكتشف صوته الداخلي أولًا. في النهاية، التكنولوجيا ستتغير باستمرار، لكن ما يبقى هو حساسية الفنان وقدرته على رؤية الإنسان والعالم بطريقة خاصة. وهذا لا يمكن استبداله بسهولة.
أعتقد أن الخوف من التكنولوجيا ليس جديدًا على السينما. في بدايات السينما كان هناك خوف من دخول الصوت إلى الأفلام الصامتة، ثم جاء الخوف من الانتقال من الأبيض والأسود إلى اللون، وبعدها ظهر القلق من التصوير الرقمي بدل شريط الفيلم التقليدي. ومع كل تحول، كان هناك من يشعر أن “روح السينما” مهددة. لكن السينما استمرت، لأنها في النهاية ليست مرتبطة بأداة واحدة، بل بطريقة الإنسان في النظر إلى العالم والتعبير عنه. التكنولوجيا تتغير دائمًا، أما الحس الإنساني والرؤية الفنية فهما ما يمنح العمل معناه الحقيقي. لذلك لا أرى أن الذكاء الاصطناعي هو “نهاية السينما”، لكنه يفرض علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي يجعل الصورة إنسانية فعلًا؟ وما الذي يبقى من الفن عندما تصبح القدرة على إنتاج الصور متاحة للجميع.